فصل: الجزية غير مقدرة بالشرع:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقال احمد بن القاسم سئل أبو عبدالله عن جزية الرءوس وقيل له بلغك أن عمر رضي الله عنه جعلها على قدر اليسار من أهل الذمة اثني عشر وأربعة وعشرين وثمانية وأربعين؟ قال على قدر طاقتهم فكيف يصنع به إذا كان فقيرا لا يقدر على ثمانية وأربعين؟ قال إنما هو على قدر الطاقة.
قيل فيزاد عليهم أكثر من ثمانية وأربعين؟ قال على حديث الحكم عن عمرو بن ميمون أنه قال والله إن زدت عليهم درهمين لا يجهدهم قال وكانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين قال ولم يبين قوله من الزيادة أكثر من هذا.
قلت لأبي عبدالله يحكى عن الشافعي أنه قال إذا سأل أهل الحرب أيؤدوا إلى الإمام عن رءوسهم دينارا لم يجز له أن يحاربهم لأنهم قد بذلوا ما حد النبي فأعجبه هذا وفكر فيه ثم تبسم وقال مسألة فيها نظر.
وقال صالح بن احمد سألت أبي أي شيء تذهب في الجزية؟ قال أما أهل الشام فعلى ما وصف عمر رضي الله عنه أربعة دنانير وكسوة وزيت وأما أهل اليمن فعلى كل حالم دينار وأما أهل العراق فعلى ما يؤخذ منهم.
وقال الأثرم لأبي عبدالله على أهل اليمن دينار شيء لا يزاد عليهم؟
قال نعم قيل له ولا يؤخذ منهم ثمانية وأربعون؟ قال كل قوم على سننهم ثم قال أهل الشام خلاف غيرهم أيضا وكل قوم على ما قد جعلوا عليه.
فقد ضمن مذهبه أربع روايات:
إحداها أنه لا يزاد فيها ولا ينقص على ما وضعه عمر رضي الله عنه.
والثانية تجوز الزيادة والنقصان على ما يراه الإمام قال الخلال وهو الذي عليه العمل.
والثالثة تجوز الزيادة دون النقصان.
والرابعة أن اهل اليمن خاصة لا يزاد عليهم ولا ينقص.

.فصل: الأصناف التي تؤخذ منها الجزية:

ولا يتعين في الجزية ذهب ولا فضة بل يجوز أخذها مما تيسر من أموالهم من ثباب وسلاح يعملونه وحديد ونحاس ومواش وحبوب وعروض وغير ذلك.
وقد دل على ذلك سنة رسول الله وعمل خلفائه الراشدين وهو مذهب الشافعي وأبي عبيد.
ونص عليه أحمد في رواية الأثرم وقد سأله يؤخذ في الجزية غير الذهب والفضة؟ قال نعم دينار أو قيمته معافر والمعافر ثياب تكون باليمن.
وذهب في ذلك إلى حديث معاذ رضي الله عنه الذي رواه في مسنده بإسناد جيد عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر.
ورواه أهل السنن وقال الترمذي حديث حسن.
وكذلك أهل نجران لم يأخذ في جزيتهم ذهبا ولا فضة وإنما أخذ منهم الحلل والسلاح.
فروى أبو داود في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال صالح رسول الله أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعلى ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح.
يقرون بها والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد أو غدرة على ألا يهدم لهم بيعة ولا يخرج لهم قس ولا يفتنون عن دينهم مالم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا.
وهو صريح في أن أهل الذمة إذا أحدثوا في الإسلام أو لم يلتزموا ما شرطوا عليهم فلا ذمة لهم وقد دل على ذلك القرآن والسنة واتفاق الصحابة رضي الله عنهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قال الزهري أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى وقد أخذ منهم الحلل وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ النعم في الجزية.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يأخذ الجزية من كل ذي صنعة من متاعه من صاحب الإبر إبرا ومن صاحب المسان مسان ومن صاحب الحبال حبالا ثم يدعو الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه ثم يقول خذوا فاقتسموا فيقولون لا حاجة لنا فيه فيقول أخذتم خياره وتركتم شراره لتحملنه.

.الجزية غير مقدرة بالشرع:

فيؤخذ من عروضه بقدر ما عليه من الجزية هذه سنة رسول الله.
وخلفائه التي لا معدل عنها فقد تبين أن الجزية غير مقدرة بالشرع تقديرا لا يقبل الزيادة والنقصان ولا معينة الجنس.
قال الخلال العمل في قول أبي عبدالله على ما رواه الجماعة أنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص على ما رواه عنه أصحابه معينة الجنس في عشرة مواضع فاستقر قوله على ذلك.
وهذا قول سفيان الثوري وأبي عبيد وغيرهم من أهل العلم.
وأول من جعل الجزية على ثلاث طبقات عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعلها على الغني ثمانية وأربعين درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرين وعلى الفقير اثني عشر وصالح بني تغلب على مثلي ما على المسلمين من الزكاة.
وهذا يدل على أنها إلى رأي الإمام ولولا ذلك لكانت على قدر واحد في جميع المواضع ولم يجز أن تختلف.
وقال البخاري قال ابن عيينة عن ابن أبي نجيح قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينار قال جعل ذلك من أجل اليسار وقد زادها عمر أيضا على ثمانية وأربعين فصيرها خمسين درهما.
واحتج الشافعي رحمه الله تعالى بأن الواجب دينار على الغني والفقير.
والمتوسط بأن النبي قدرها بذلك في حديث معاذ رضي الله عنه وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا ولم يفرق بين غني وفقير وجعلهم ثلاث طبقات وسنة رسول الله أحق أن تتبع من اجتهاد عمر.
ونازعه الجمهور في ذلك وقالوا لا منافاة بين سنة رسول الله وبين ما فعله عمر رضي الله عنه بل هو من سنته أيضا وقد قرن رسول الله بين سنته وسنة خلفائه في الاتباع فما سنه خلفاؤه فهو كسنته في الاتباع وهذا الذي فعله عمر رضي الله عنه اشتهر بين الصحابة ولم ينكره منكر ولا خالفه فيه واحد منهم البتة واستقر عليه عمل الخلفاء والأئمة بعده فلا يجوز أن يكون خطأ أصلا.
وقد نص الشافعي على استحباب العمل به فقال الواجب على كل رجل دينار لا يجزئ أقل من ذلك فإن كان الذمي مقلا ولم يكن موسرا.
ولا متوسطا عقد له الإمام الذمة على دينار في كل سنة وإن كان متوسطا فيستحب أن يقول له الإمام جزية مثلك ديناران فلا أعقد لك ذمة على أقل منهما ويحمل عليه بالكلام فإن لم يقبل حمل عليه بعشيرته وأهله فإن لم يقبل وأقام على بذل الدنيار قبل منه وعقدت له الذمة وإن كان موسرا فيستحب أن يقال له جزية مثلك أربعة دنانير لا أقبل منك أقل منها ويتحامل عليه بالكلام ويحمل عليه بعشيرته وقومه فإن لم يفعل واقام على بذل الدينار قبل منه وعقدت له الذمة عليه.
قلت ولا يخلو حديث معاذ من أحد وجوه ثلاثة:
الأول أن يكون أمره بذلك لأن الغالب على أهل ذمة اليمن إذ ذاك الفقر وقد أشار مجاهد إلى ذلك في قوله إنما جعل على أهل الشام ثمانية وأربعون درهما من أجل اليسار.
الوجه الثاني أنهم كانوا قد أقروا بالجزية ولم يتميز الغني منهم من الفقير والصحابة إذ ذاك لم يسكنوا اليمن بل كانوا مع النبي إذ هو حي بين أظهرهم فلما لم يتفرغوا لتمييز غنيهم من فقيرهم جعل رسول الله الجزية كلها طبقة واحدة فلما مات رسول الله وتفرق الصحابة في البلاد وسكنوا الشام تفرغوا لتمييز طبقات أهل الذمة ومعرفة غنيهم وفقيرهم ومتوسطهم فجعلوهم ثلاث طبقات وأخذوا من كل طبقة ما لا يشق عليهم إعطاؤه.
الوجه الثالث أن النبي لم يقدرها تقديرا عاما لا يقبل التغيير بل ذلك موكول إلى المصلحة واجتهاد الإمام فكانت المصلحة في زمانه أخذها من أهل اليمن على السواء وكانت المصلحة في زمن خلفائه الراشدين أخذها من أهل الشام ومصر والعراق على قدر يسارهم وأموالهم وهكذا فعل رسول الله فإنه أخذها من أهل نجران حللا في قسطين قسط في صفر وقسط في رجب.
وقال مالك عن نافع عن أسلم أن عمر رضي الله عنه ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعين درهما ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام.
وقال الليث بن سعد عن كثير بن فرقد ومحمد بن عبدالرحمن بن غنج عن نافع عن أسلم عن عمر رضي الله عنه أنه ضرب الجزية على أهل الشام أو قال على أهل الذهب أربعة دنانير وأرزاق المسلمين من الحنطة مدين وثلاثة أقساط زيت لكل إنسان كل شهر وعلى أهل الورق أربعين درهما وخمسة عشر صاعا لكل إنسان قال ومن كان من أهل مصر فإردب كل شهر لكل إنسان قال ولا أدري كم ذكر لكل إنسان من الودك والعسل.
وعلى هذا فلو كان فيهم من لا يقدر إلا على بعض دينار لوجب قبوله منه بحسب قدرته.
وهذا قياس جميع الواجبات إذا قدر على أداء بعضها وعجز عن جميعها كمن قدر على أداء بعض الدين وإخراج بعض صاع الفطرة وأداء بعض النفقة إذ لا يقدر على تمامها وغسل بعض أعقابه إذا عجز عن غسل جميعها وقراءة بعض الفاتحة في الصلاة إذا عجز عن جميعها ونظائر ذلك.
قال أبو عبيد والذي اخترناه أن عليهم الزيادة كما يكون لهم.
النقصان وللزيادة التي زادها عمر رضي الله عنه على وظيفة النبي للزيادة التي زادها هو نفسه حين كانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين.
ولو عجز أحدهم عن دينار لحطه من ذلك حتى قد روي عنه أنه أجرى على شيخ منهم من بيت المال وذلك أنه مر به وهو يسأل على الأبواب وفعله عمر بن عبدالعزيز.
وقال أبو عبيد ولو علم عمر أن فيها سنة مؤقتة من رسول الله ما تعداها إلى غيرها.

.فصل: [التعذيب في الجزية]:

ولا يحل تكليفهم ما لا يقدرون عليه ولا تعذيبهم على أدائها ولا حبسهم وضربهم.
قال أبو عبيد ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه وعن هشام بن حكيم بن حزام أنه مر على قوم يعذبون في الجزية بفلسطين فقال هشام سمعت رسول الله يقول إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا.
وقال الزهري عن عروة بن الزبير إن عياض بن غنم رأى نبطا يشمسون في الجزية فقال لصاحبهم إني سمعت رسول الله يقول إن الله تبارك وتعالى يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا.
قال الزهري عن عروة بن الزبير إن هشام بن حكيم هو الذي قال ذلك لعياض بن غنم.
قال نعيم بن حماد عن بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد أن هشام بن حكيم قال ذلك لعياض بن غنم عن رسول الله فقال عياض لهاشم قد سمعت ما سمعت ورأيت ما رأيت أو لم تسمع رسول الله يقول من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده له علانية ولكن ليأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه فذاك وإلا فقد أدى الذي عليه.
قال وحدثنا نعيم ثنا بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بمال كثير أحسبه قال من الجزية فقال إني لأظنكم قد أهلكتم الناس قالوا لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا قال بلا سوط ولا نوط قالوا نعم قال الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني.
قال وحدثنا أبو مسهر ثنا سعيد بن عبدالعزيز قال قدم سعيد بن عامر بن حذيم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما أتاه علاه بالدرة فقال سعيد سبق سيلك مطرك إن تعاقب نصبر وإن تعف نشكر وإن تستعتب نعتب فقال ما على المسلم إلا هذا مالك تبطئ بالخراج فقال أمرتنا ألا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم فقال عمر رضي الله عنه لا عزلتك ما حييت.
قال أبو عبيد وإنما وجه التأخير إلى الغلة للرفق بهم ولم أسمع في استيداء الخراج والجزية وقتا من الزمان يجتبى فيه غير هذا.
قال وثنا مروان بن معاوية الفزاري عن خلف مولى آل جعدة عن رجل من آل أبي المهاجر قال استعمل علي بن أبي طالب رجلا على عكبراء فقال له على رءوس الملأ لا تدعن لهم درهما من الخراج قال وشدد عليه القول ثم قال إلقني عند انتصاف النهار فأتاه فقال إني كنت أمرتك بأمر وإني أتقدم إليك الآن فإن عصيتني نزعتك لا تبيعن لهم في خراجهم حمارا ولا بقرة ولا كسوة شتاء ولا صيف وارفق بهم وافعل بهم وافعل بهم.